سيد قطب

2680

في ظلال القرآن

وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده ! « عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً » . . وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلا ! « وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » . . فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون ! وينتهي المشهد الثاني ويسدل الستار عليه إلى حين . ذلك شأن موسى . فما بال أمه الوالهة وقلبها الملهوف ؟ « وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً . إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ . لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقالَتْ لِأُخْتِهِ : قُصِّيهِ » . . لقد سمعت الإيحاء ، وألقت بطفلها إلى الماء . ولكن أين هو يا ترى وما ذا فعلت به الأمواج ؟ ولعلها سألت نفسها : كيف ؟ كيف أمنت على فلذة كبدي أن أقذف بها في اليم ؟ كيف فعلت ما لم تفعله من قبل أم ؟ كيف طلبت له السلامة في هذه المخافة ؟ وكيف استسلمت لذلك الهاتف الغريب ؟ والتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية : « فارِغاً » . . لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف ! « إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ » . . وتذيع أمرها في الناس ، وتهتف كالمجنونة : أنا أضعته . أنا أضعت طفلى . أنا ألقيت به في اليم اتباعا لهاتف غريب ! « لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها » . . وشددنا عليه وثبتناها ، وأمسكنا بها من الهيام والشرود . « لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . . المؤمنين بوعد اللّه ، الصابرين على ابتلائه ، السائرين على هداه . ولم تسكت أم موسى عن البحث والمحاولة ! « وَقالَتْ لِأُخْتِهِ : قُصِّيهِ » . . اتبعي أثره ، واعرفي خبره ، إن كان حيا ، أو أكلته دواب البحر أو وحوش البر . . أو أين مقره ومرساه ؟ وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية ، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق . فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه ؛ وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع : « فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ . فَقالَتْ : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؟ » . . إن القدرة التي ترعاه تدبر أمره ، وتكيد به لفرعون وآله ؛ فتجعلهم يلتقطونه ، وتجعلهم يحبونه ، وتجعلهم يبحثون له عن ظئر ترضعه ، وتحرم عليه المراضع ، لتدعهم يحتارون به ؛ وهو يرفض الثدي كلما عرضت عليه ، وهم يخشون عليه الموت أو الذبول ! حتى تبصر به أخته من بعيد ، فتعرفه وتتيح لها القدرة فرصة لهفتهم على مرضع ، فتقول لهم : « هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون » ؟ فيتلقفون كلماتها ، وهم يستبشرون ، يودون لو تصدق فينجو الطفل العزيز المحبوب ! وينتهي المشهد الرابع ؛ فنجدنا أمام المشهد الخامس والأخير في هذه الحلقة . وقد عاد الطفل الغائب لأمه الملهوفة . معافى في بدنه ، مرموقا في مكانته ، يحميه فرعون ، وترعاه امرأته ، وتضطرب المخاوف من حوله